التخطي إلى المحتوى الرئيسي

بقلم الرائع أ/فوزي نجاجرة//////


الحلقة رقم (٥) من رواية ستشرق الشمس ثانية:
بعد ما يقاربُ عامًا ونصف، أَي في عامِ ١٩٧٠م؛ اندلَعت الحربُ بين الْفِلَسْطِينِيِّين والْأُرْدُنيين، في كلِّ مناطق الْأُرْدُن، خاصةً العاصمة عمان، وقد دارَت اشتباكاتٌ ومعارك قوية وشرسةٌ بين الطرفَين، حيث شاركَ فيها الجيشُ الْأُرْدُني، وكلُّ فصائلِ منظمة التحرير الْفِلَسْطِينِيّة الموجودَة على الساحةِ الْأُرْدُنية، لقد تأثرَ الشعبان تأثرًا كبيرًا جراءَ تلك الفتنة، وقُتِلَ كثيرٌ من الناس في تلكَ الحرب، وأُصيبَ كثيرونَ بجروحٍ، وسُجِنَ كثيرونَ في سجونِ الْأُرْدُن، وهربَ كثيرونَ إِلَى سوريا ولبنان والعراق ومصر، وإِلى دولِ الخَليج، وأوروبا، أَو إسترالية وغيرها، وعلى ضوء تلكَ الحربِ تم طردُ وترحيلُ كلِّ رجالِ الثورةِ الْفِلَسْطِينِيّة وعائلاتهم من الْأُرْدُن إِلَى لبنان؛ وذلك بعد استشهادِ ما لا يقلُّ عن خمسةٍ وعشرين أَلفًا من الْفِلَسْطِينِيِّين في شهر أيلول الأسود لعام ١٩٧٠م، خاصةً في أَحراشِ عجلون الْأُرْدُنية.
في الساعة الثانية من بعد ظهر يومِ خميس، وفي منتصف شهرِ أيلول لعام ١٩٧٠م، وبينما كُنا نلعبُ في الحارةِ أَنا وبعضُ الأطفال من جيلي؛ سمعتُ صوتَ مسعدة جارتنا تصرخُ وتنادي عليَّ:
_ سعيد.. سعيد.. سعيد..
_ شو في يا مسعدة؟
_ سعيد.. سعيد، تعال بسرعة نروح على دار سيدك، كل أهل البلد، وكل الناس بركضوا على دارهم هناك، أمك وستك بلطمن على وجوهن، وبمزعن في شعرهن، ومعهن نسوان كثير بصرخن، يلا يلا يا سعيد، خلينا نروح نشوف شو في!
_ يلا يلا يا مسعدة، الله يستر! ابصر شو القصة؟
ركضنا نحو دارِ جدِّي محمود، شاهدتُ المئات من أَهلِ البلدةِ متجمهرين أَمام الدارِ وداخلها وحولها، فالرجالُ أَغلبُهم في الخارج، والنسوةُ في داخلِ الحوش والدار، سمعتُ نواحَ نساء القريةِ يقطعُ نياطَ القلب، وعرفتُ أَن خالي بدرَ الدين قد أُعدِمَ ميدانيًّا في الْأُرْدُن صباحَ هذا اليوم، يوم الخميس، عمَّ الصمتُ والحزنُ والغضبُ على أهلِ قريتِنا، لم يكن أَحدٌ منهم يتكلمُ بصوت مسموع، وكان هناك شيخٌ يقرأ ويُرَتلُ القرآن الكريمَ، لأكثر من أَربعين يومًا لم يفارق الحزن والبكاءُ بيوتَنا، فَأُصبح وأُمسي وأُمي معزوزةُ ترثي أَخاها بكلامٍ مصهورٍ كأنه رصاصٌ مسكوب، يخرجُ من جوف بركانٍ ثائر، إِنه قلبُ أُمي المَفجوع باستشهادِ أَخيها الشابّ البَطل بَدر الدين.
لم تستطعْ جدتي فاطمةُ المكابَرَةَ، فقد أَعلنَت حزنَها على ابنِها علنًا وبكلِّ صراحةٍ، واجتاحها الألمُ والفقدُ، فَقررت أَنها لا تريدُ الاستمرارَ في حياتِها المملوءةِ بالظلمِ والباطل، والتي لم ترحمْ قلبَها يومًا ما، وقد أخذَت منها فلذةَ كبدِها، وعزيزَها البطلَ، وزينةَ شباب القرية، فدخلت في إِضرابٍ مفتوح عن الطعامِ دون أَن تُعلنَ عن ذلك، ولكنها فعليًّا مارستهُ لأكثر من شهرين ونصف، وفقدت ثلثي وزنِها، ولم تمارس إِلا النعيَ والرثاء، واعتزلَت الحياةَ الاجتماعية كاملةً، حتى جاء فجرُ يومِ جمعةٍ من شهرِ رمضان، حيث انتقلَت روحُها إِلَى خالقها.
إِن إِعدامَ خالي بدر الدين شكَّلَ بدايةَ مرحلةٍ جديدةٍ لِأُسرتِنا، وبدْءَ تاريخٍ جديدٍ نؤرخُ به لزماننا الذي عشناهُ لاحقًا، وعلَى الرغمِ مِن هذا بقينا صامِدين وصابِرين على أَرضِنا، نعيشُ سائرينَ في دروبِ الصَّبرِ، نرحلُ من مأساةٍ إِلَى أُخرى، ومن حربٍ إِلَى حربٍ، ومن ظلمٍ إِلَى ظلمٍ، نُقتلُ ونُسجن، وتُهدمُ بيوتنا، وتُصادرُ أَرضُنا، وتُقتلعُ أشجارُنا، بينما نحن صامِدون، محتَسِبونَ، مرابطونَ، كاظِمون لِلغيظِ، صابرونَ في بلدِنا كالصابرِ على الجمر بقبضةِ يدِه.
كان خالي بدر الدين يشغلُ ضابطًا كبيرًا في الجيشِ الْأُرْدُني، ومسؤولًا عن عددٍ من مخازن الأسلحة الخفيفة والثقيلةِ التابعةِ للجيش الْأُرْدُني، وفي شهرِ آب لسنةِ ١٩٧٠م انشقَّ عن الجيشِ الْأُرْدُني، وانضمَّ إِلَى مقاتِلي الثورةِ الْفِلَسْطِينِيّة، حيثُ سلَّمَهم كلَّ مخازنِ الأسلحةِ التي في عهدتِه، وعلى إِثر ذلكَ تم أسرُه من قبل المخابراتِ العسكرية الْأُرْدُنية، وأودعوهُ في السجونِ، وقد تم الحكمُ عليه بواسطة محكمةٍ عسكريةٍ شكليةٍ بالإِعدام ميدانيًّا رميًا بالرصاصِ، وبالفعلِ تم تنفيذُ حكمِ الإِعدامِ به في منتصفِ شهرِ أيلول للعامِ ١٩٧٠م، ولكن زوجتَه محبوبة وابنَه عايد وابنتيه فداء وهدى تمكَّنوا من الهروبِ من دولةِ الْأُرْدُن، إِلَى مخيمِ شاتيلا في بيروت عاصمَة دولةِ لبنان.
في ظهيرةِ يومِ ٢٨ أيلول١٩٧٠م؛ تفاجَأَ العالمُ أجمع بخبرِ وفاةِ رئيسِ جمهورية مصر الْعَرَبِيّة، السيد جمال عبد الناصر أبو خالد، بالجلطةِ الدماغيةِ، وربَطَ الكلُّ الْفِلَسْطِينِيُّ وفاتَه بسبب حزنِه وغضبِه على ما ألمَّ بأبناء الشعبِ الْفِلَسْطِينِيّ من القتلِ والتعذيبِ والطرد في الْأُرْدُن، فكان المرحوم من أكثر زعماء الأمةِ الْعَرَبِيّة حبًّا وتضامنًا مَعنا، وقد حاول بشتى السبل الوقوفَ إِلَى جانب شعبنا، لكنه لم ينجح، ولذلك عمَّ الحزنُ والغضبُ والحداد كلَّ أَماكن الْفِلَسْطِينِيِّين صغارًا وكبارًا، وقد رُفِعت الراياتُ السودُ فوق كل بيوتِ الْفِلَسْطِينِيِّين، وكذلك خرجَت المسيراتُ والجنائزُ الرمزيةُ في كل المدنِ والقرى والمخيماتِ، وأُغلقت الجامعاتُ والمدارسُ والمؤسساتُ في كلِّ أرجاء الوطنِ الْعَرَبِيّ، إِنه الزعيمُ والقائدُ الخالدُ أَبو خالد، الذي لم يتوانَ لحظةً عن مساعدةِ ومناصرةِ أهلِ فِلَسْطِين، وحركةِ تحررها الوطني، عُيِّنَ بَعدَه مباشرةً الرئيسُ محمد أنور السادات بدلًا من جمال عبد الناصر.
عمل الرئيس أنور السادات منذ توليهِ حكمَ مصر على تحسين قدراتِ الجيشِ المصري لثلاثِ سنواتٍ متتاليةٍ من حكمِه، وفي الساعةِ الثانية من بعد ظهرِ يوم العاشر من رمضان، والذي صادف السادسَ من شهر تشرين الأول أُكتوبر لعام ١٩٧٣م؛ بثت محطاتُ الإِذاعات الْعَرَبِيّة في القاهرة ودمشق نبأَ شنِّ الجيوشِ المصرية والسوريةِ الهجومَ على الجيشِ الصهيوني على كلا الجبهتين المصريةِ والسورية، إِذ قامَ الجيشُ المصريُّ بالعبورِ إِلَى الضفة الشرقيةِ من قناة السويس، وكذلك احتِلال خطّ بارليف الصّهيوني المُحَصن وتَحطيمه، وفي الوقتِ نفسِه؛ قامت قواتُ الجيش السوري بتحريرِ أجزاء كبيرةٍ من هضبةِ الجولان المحتلة، بما فيها أهمّ مرصدٍ صهيوني فوق قمةِ جبل الشيخ السوري ومدينة القنيطرة، كذلك وصلَت طلائعُ الجيشِ الْعَرَبِيّ السوري الضفافَ الشرقية لبحيرةِ طبريا، وشربت من مياهِها، وتمركَزت فيها.
عمَّت الفرحةُ كل مناطق الشعب الْفِلَسْطِينِيّ في داخلِ فِلَسْطِين وخارجِها، وكل الوطن الْعَرَبِيّ، فرحين بهذه الانتصاراتِ المفاجئة والسريعة للعربِ، كردِّ فعلٍ على هزائمِهم السابقةِ عامي ١٩٤٨م، و١٩٦٧م، ومما زادَ من فرحتنا؛ التصريحاتُ التي أَطلقَها رئيسُ هيئة أَركان الجيشِ المصري القائد الفريق سعد الدين الشاذلي، الذي أَعلن فيها أَنه سيتمكنُ بعد ساعةٍ أَو ساعتين من محاصرةِ مستعمرة تل أَبيب الصهيونية، عَلَت التكبيراتُ والزغاريدُ والأغاني في الوطنِ العربيِّ كافةً، وفِلَسْطِين خاصةً، إِضافةً إِلَى الأَغاني الحماسيةِ التي رافقتها، والتي لم تتوقفْ عن التحليقِ عبرَ الإِذاعاتِ الْعَرَبِيّة، ففي محطات مصر كُنا نسمعُ أُغنية (بسم الله الله أكبر بسم الله).
حينها قامَت وزارةُ الحربِ الأَمريكية بتشغيل جسرٍ جويٍّ لمساعدةِ الجيش الصهيوني، وفي الوقتِ نفسِه قامَ الرئيسُ محمد أنور السادات بِإِقالة الفريقِ سعد الدين الشاذلي من قيادةِ الجيوش المصرية، وعقَد اتفاقيةَ هدنة ووقف إِطلاقِ النار مع الجيشِ الصهيوني، الأمر الذي مكنَ الجيش الصهيوني من سحبِ كل جنودِهِ من جبهةِ مصر، وإِرسالِه إِلَى جبهةِ الجولان المُحتل، وفكّ سيطرةِ الجيشِ السوري عليها، وقد أَحرَزت القواتُ العسكرية تقدمًا كبيرًا بقيادة إِسحاق رابين، وفي الوقتِ نفسِه تقدموا باتجاهِ احتلالِ العاصمة السورية دمشق، ولولا تدخُّل الجيشِ العراقي لسقَطَت دمشق.
انتهت الحربُ على وضعٍ تحريكي للصراعِ الْعَرَبِيّ الصهيوني، الأمر الذي نتجَ عنهُ قدومُ أَنور السادات إِلَى مقرِّ الكنيست الصهيوني، وتسليمهم مفاتِيح مدينةِ القدس، وإِعلان اتفاقيةِ سلامٍ تُدعى (كامب ديفيد)، والتي بموجبها اعتَرفَت مصرُ بأن فِلَسْطِين التي احتُلت عام ١٩٤٨م ملكٌ للكيانِ الصهيوني الغاصِب، وبأنها ليسَت أرضًا عربيةً فِلَسْطِينِيّةً، وإِنما هي أرضُ الصهاينة، وفُتحَت قناةُ السويس أمامَ الملاحةِ البحريةِ الدوليةِ، وكذلك تعهَّدت بعدم شنِّ أَي حربٍ على كيانِ الصهاينة بأي حالٍ من الأحوال، وذلك مقابل انسحابِهم من شبهِ جزيرة سيناء، على أَن تخضعَ شبه جزيرة سيناء للمراقبةِ الأَمريكية، والتعهد بعدم إِقامة قواعد عسكريةٍ مصريةٍ فيها، وذلك مقابل مساعداتٍ ماليةٍ تافهةٍ من أَمريكا لمصر.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بقلم الرائع أ/عبد الرحمن القاضي/////

"غَزَليَّة" في الشامِ غَزالٌ يُغريْنا نَدنوْ مِنْهُ ولا يأتيْنا نُهدِيْ عِطْرَ الحُبِّ إلَيْهِ ويُعَشِّمُنا ويُمَنّيْنا فَرْدٌ مِنْ عائِلَةِ الوَرْدِ يَنْضَحُ فُلّاً أو ياسَميْنا يَضْحَكُ إنْ قد كُنْتُ سَعيداً أو يَبْكِيَ إنْ صِرْتُ حَزيْنا ما في قَلبِيَ إلّا أنْتَ أمّا غَيْرُكَ لا يَعْنيْنا في الشامِ غَزالٌ يُغريْنا... ! #عبدالرحمن_القاضي

بقلم الرائعة د/آمنة ناجي الموشكي/////

تساؤلات .د.آمنة الموشكي مَنْ أَنْتَ يَا هَذَا، وَمَنْ زَرَعَ المَآسِيَ وَالمِحَنْ؟ فِي مَوْطِنِيَ الغالي الَّذِي مَا ضَلَّ يَوْمًا أو وَهَنْ وَمَنْ الَّذِي مَا زَالَ فِي طُغْيَانِهِ مِنْ سُوءِ ظَنّْ يُفْشِي الفَسَادَ بِحِقْدِهِ وَبِشِرِّهِ العَاتِي عَلَنًْ؟ وَمَنْ الَّذِي خَانَ الأَمَانَةَ وَالرِّيَادَةَ فِي اليَمَنْ؟ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ، إِنَّنِي    مَا زِلْتُ أَسْأَلُ: مَنْ وَمَنْ؟ عَمَّا جَرَى في أرضنا           ومَن الذي قَبِضَ الثّمَنْ؟ حَتَّى تَلَاشَى ضَوْؤُنَا              فِي كُلِّ أَرْجَاءِ الوَطَنْ مَا عَادَ فِينَا غَيْرُ مَنْ              كَبَّرَ وَحَوْقَلَ وَانْدَفَنْ مِنْ حُزْنِهِ الجَاثِي عَلَى           كُلِّ المَفَاصِلِ فِي البَدَنْ وَطَنِي، وَقَدْ حَلَّ الجَفَا               والغَبنُ فِيْنا مُحْتَقَنْ سَكَنَتْ بِهِ الفَوْضَى، وَقَدْ               سَادَ العَمِيلُ المُرْتَهَنْ أَكْبَادُ عَانَتْ دُونَمَا               رِفْقٍ، وَلَمْ تَلْقَ الكَفَنْ مَاتَتْ عَلَى أَبْوَابِ مَنْ                صَارُ...

بقلم الرائع أ/خالد البطراوي/////

أخبِّئُ نفسي ****** أخبِّئُ نفسي بينَ كفوفي، بينَ حروفي، بينَ أوراقي المطويّة... على رفوفِ ذاكرتي قصيدةُ شِعرٍ كُتِبَت، وشقاوةُ طفلٍ رُسِمَت، وضحكاتُ صغارٍ، وتواشيحُ رمضانيّة... أُفتِّشُ بين أوراقي، أَنفضُها من الغبار، أُعيدُ كتابتَها... هى بداياتي، وتخبُّطاتي واوراقي السِّريّة... فيها تأملات ودعوات و تَرويدةُ شيخ، وقصّةُ حُبّ، وحكاياتُ الأجداد في ليلةٍ شتويّة... أبحثُ عن نفسي، عن خربشاتِ أقلامي، عن أسراري المخفيّة... عن ذكرى كانت، عن صوتِ أمي، عن ليمونةٍ في حوشِ دار، عن طفولتي المنسيّة... أبحثُ عن بائعِ الحلوى في الحارات، عن ألعابٍ، وحكاياتٍ، وأمنياتٍ، عن أحلامٍ مُخمليّة... أخبِّئُ نفسي بين كفوفي، بين حروفي، بين أوراقي المطويّة... أخبِّئُ بين سطوري حكاياتٍ وحكايات، ألمًا، وحُزنًا، وبُؤسًا... وأشياءَ مخفيّة ....... خالد محمود البطراوي