التخطي إلى المحتوى الرئيسي

بقلم الشاعر أ/عبد الله سكرية/////


مرحبًا يا صباحُ .
معركة العِنَبِ ..
_ يا كروم راس السّرج يا أمَّ الحلا ,
يالْ ما مرَق إنسان إلّا يا هَلا ,
يا ما أنا وبوحْمَيْد قطّفنا عنِبْ !
بس البطِنْ يا رَيْت ما مَرّة انْتلى!..

_ الوقتُ ظهيرةٌ , والشمسُ لا تبخلُ على الكائنات بقيظٍ كاد يكون حريقًا , والناسُ في أعمالهِم وأشغالهِم , إلا الفتيَين الصديقَين اللاّعبَين , أحمدَ وعبدَالله , فها هما في الكرم بين عناقيدِ العنبِ الشّقراءِ والسّوداءِ والحمراء , يقطفانِ , يتسليانِ , ويضحكانِ ويلعبانِ !.
_ والبرّيةُ حريّةٌ كما يقولون ؛ والكرمُ على الدّرب , جوّادٌ معطاء , يحبُّ الزائرين والقاطفين .. وصاحبُ الكرم "أبو سعيدٍ" , خالُ أحمدَ , هو الآنَ في دُكانِه , في ساحةِ البلدةِ بعيدٌ عن عناقيدِهِ . وهو سيّد السَّاحةِ , يجولُ بالأحاديثِ معَ المارَّة حينًا , ومع الزَّبائنِ حينًا آخرَ . وها هُما الصَّديقانِ اللاّعبانِ يتبادلانِ التّندُّرَ , وَيَتناوبانِ على الحبّاتِ الجميلاتِ الطِّيّباتِ .ويسألُ عبدُ الله أحمدَ : وماذا لو باغتَنا الآن خالُك إيّاه ؟
_ لاعليكَ , فأنا أمونُ على الكرمِ , أليس لوالدتي فاطمةَ حصةٌ فيه ؟؟
وإذا بصوتٍ يتَناهى إلى سمْعِهِما ! ليسَ بقريبٍ جدًّا , ولا ببعيدٍ .. كان صوتَ أبي سعيد ٍ !! .. هادرٌ , صاخبٌ ,شاتمٌ ؛ ولم نكنْ ندري كيفَ ساعدَهُ عمرُه الخمسينيُّ على تلكَ الرِّكضةِ الشبابيّةِ ،بذلك القُمبازِ القرويِّ الملتفِّ على جسدِه النّحيلِ , وقامتِه الممشوقةِ ؟ كان الصوتُ يزدادُ ضجيجًا ,وكانت الشتائمُ تتنّوع وتشتدّ ! .
_ ويا لَها من قفَزاتٍ صبيانيةٍ ! لقد رحْنا أنا وأحمدُ نقفزُ يمينًا وشمالًا ، وكانَ علينا أن نخرجَ بسرعةٍ ونتفرّقَ في كلِّ اتجاهٍ ؛ كانَ عليَّ أنْ أركضَ وأركضَ صُعودًا إلى رأس الهضَبةِ المُحيطة بالبلدة ؛ وأبو سعيدٍ يأبى التّراجعَ والانهزامَ , فها هوَ يَختَطُّ الطريقَ التي اختطتُها , وما زالَ يهمدرُ ويتوعّد! غيرَ أنّي دُرتُ بقفَزاتِ الأرنبِ حولَ الضّيعة ِ, ورحتُ أتلطّى بينَ البيوتِ , وفي الاز قّةِ , لأصلَ إلى البيتوأختبئَ في ناحيةٍ أَرى منها القادمَ إلى بيتِنا , ولا يراني القادمُ إليهِ..
_ كانَ صوتُ لهاثي ظاهرًا ،والعرقُ يتصبّبُ من كلّ ناحيةٍ في جَسدي ،وكانَ الْهمُّ أنْ اختفيَ ولا يَراني أحدٌ .ولكنْ , فُتح البابُ , بلا إذنٍ , والصّوتُ يُنادي : "أينِ هو هذا الولدُ القليلُ ...؟ يا أمّ عبدِ الله ,ربّي ابنَك الأزعرَ .. والله , لولا أنّني أنا أبو سعيدٍ لكنتُ فعلتُ وفعلتُ " !..وكنتُ أنا أسمعُ , وأَرى وأضحكُ .. وكانَ شعورٌ بالنّصرِ قد سيطرَ عليَّ , كأني فزْت على أبي سعيدٍ في معركةِ العنبِ ؛ وهي معاركُ , كثيرًا ما تقومُ في كرومِ الضّيعة , جنودُها الغادونَ والرائحونَ !.
_ أمّا أحمدُ صديقي , فلم أعرفْ , إلّا بعدَ أنْ هدأتِ المعركةُ , كيفَ انطلقَ بعيدًا , ولم يعُدْ إلى القريةِ إلاّ بعدَ ساعاتٍ .. وأمّا الكرمُ فقد صارَ ملعبًا لعمائرَ وبيوتٍ , لم تُبقِ منه غيرَ بقايا من شُجيراتٍ تترحّمُ على الماضي..
عبد الله سكرية ..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بقلم الرائع أ/عبد الرحمن القاضي/////

"غَزَليَّة" في الشامِ غَزالٌ يُغريْنا نَدنوْ مِنْهُ ولا يأتيْنا نُهدِيْ عِطْرَ الحُبِّ إلَيْهِ ويُعَشِّمُنا ويُمَنّيْنا فَرْدٌ مِنْ عائِلَةِ الوَرْدِ يَنْضَحُ فُلّاً أو ياسَميْنا يَضْحَكُ إنْ قد كُنْتُ سَعيداً أو يَبْكِيَ إنْ صِرْتُ حَزيْنا ما في قَلبِيَ إلّا أنْتَ أمّا غَيْرُكَ لا يَعْنيْنا في الشامِ غَزالٌ يُغريْنا... ! #عبدالرحمن_القاضي

بقلم الرائعة د/آمنة ناجي الموشكي/////

تساؤلات .د.آمنة الموشكي مَنْ أَنْتَ يَا هَذَا، وَمَنْ زَرَعَ المَآسِيَ وَالمِحَنْ؟ فِي مَوْطِنِيَ الغالي الَّذِي مَا ضَلَّ يَوْمًا أو وَهَنْ وَمَنْ الَّذِي مَا زَالَ فِي طُغْيَانِهِ مِنْ سُوءِ ظَنّْ يُفْشِي الفَسَادَ بِحِقْدِهِ وَبِشِرِّهِ العَاتِي عَلَنًْ؟ وَمَنْ الَّذِي خَانَ الأَمَانَةَ وَالرِّيَادَةَ فِي اليَمَنْ؟ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ، إِنَّنِي    مَا زِلْتُ أَسْأَلُ: مَنْ وَمَنْ؟ عَمَّا جَرَى في أرضنا           ومَن الذي قَبِضَ الثّمَنْ؟ حَتَّى تَلَاشَى ضَوْؤُنَا              فِي كُلِّ أَرْجَاءِ الوَطَنْ مَا عَادَ فِينَا غَيْرُ مَنْ              كَبَّرَ وَحَوْقَلَ وَانْدَفَنْ مِنْ حُزْنِهِ الجَاثِي عَلَى           كُلِّ المَفَاصِلِ فِي البَدَنْ وَطَنِي، وَقَدْ حَلَّ الجَفَا               والغَبنُ فِيْنا مُحْتَقَنْ سَكَنَتْ بِهِ الفَوْضَى، وَقَدْ               سَادَ العَمِيلُ المُرْتَهَنْ أَكْبَادُ عَانَتْ دُونَمَا               رِفْقٍ، وَلَمْ تَلْقَ الكَفَنْ مَاتَتْ عَلَى أَبْوَابِ مَنْ                صَارُ...

بقلم الرائع أ/خالد البطراوي/////

أخبِّئُ نفسي ****** أخبِّئُ نفسي بينَ كفوفي، بينَ حروفي، بينَ أوراقي المطويّة... على رفوفِ ذاكرتي قصيدةُ شِعرٍ كُتِبَت، وشقاوةُ طفلٍ رُسِمَت، وضحكاتُ صغارٍ، وتواشيحُ رمضانيّة... أُفتِّشُ بين أوراقي، أَنفضُها من الغبار، أُعيدُ كتابتَها... هى بداياتي، وتخبُّطاتي واوراقي السِّريّة... فيها تأملات ودعوات و تَرويدةُ شيخ، وقصّةُ حُبّ، وحكاياتُ الأجداد في ليلةٍ شتويّة... أبحثُ عن نفسي، عن خربشاتِ أقلامي، عن أسراري المخفيّة... عن ذكرى كانت، عن صوتِ أمي، عن ليمونةٍ في حوشِ دار، عن طفولتي المنسيّة... أبحثُ عن بائعِ الحلوى في الحارات، عن ألعابٍ، وحكاياتٍ، وأمنياتٍ، عن أحلامٍ مُخمليّة... أخبِّئُ نفسي بين كفوفي، بين حروفي، بين أوراقي المطويّة... أخبِّئُ بين سطوري حكاياتٍ وحكايات، ألمًا، وحُزنًا، وبُؤسًا... وأشياءَ مخفيّة ....... خالد محمود البطراوي