لمتابعي رواية أمضي أم أعود ؟؟؟
الحلقة رقم (١٤) :
انت تامرين يا أم سمية ، لننهي الموضوع بهدوء ، وأوعدك بالالتزام التام بما تأمريني به .
على الفور اتصل مع دكتورة زميلة له في الكلية ، وطلب منها متابعة مشروع تخرج طالبته سمية، لأسباب صحية تتعلق به ، ووعد بوضع حد لزوجته . عادت أم الوفا الى سمية، هدأتها وأعلمتها بما تم. شكرت سمية أم الوفا، وقبلت رأسها، رجعت الصبية الى مزاولة دراستها كالسابق، وكأن شيئا لم يكن .
*******
لم تكن أم الوفا شيئا يذكر حينما غادرت أبنها، فقد تلقت ضربة قاسية على رأسها، بقساوة القدر المتوحش، الذي يشبه شراسة البحر الذي يحطم بأمواجه السفينة، وهي تكابد من أجل الوصول للشاطئ . فكل المحاولات لم تؤهلها للوصول الى مبتغاها، ففي الوقت الذي أعتقدت بأنها أدت رسالتها مع ابنها وذكرى زوجها ، وذلك برفضها الزواج من غيره بعد موته وتقوم على تنشئة أبنه، جائت شرارة البرق لتصعقها وتقسمها قسمين ، لم تبقي لها خيارا سوى الغياب، فهو الحل الوحيد حين عاقبها الزمن ، وحاصرتها أسيجة المستحيل ، رفضت التفكير باللجوء الى أي من أقاربها أو معارفها للعيش معهم، بسبب رفضها السابق للتجاوب مع نصائحهم، فالكل نبهها ونصحها بأن تهتم بنفسها وأن لا تضيع فرص الارتباط برجل تشاركه حياتها ومستقبلها، تستغل شبابها وعمرها، بحيث لا تتندم في المستقبل أذا ما واجهتها مصاعب . وبالفعل فانها وصلت الى طريق مسدود بفعل جحود الولد، أفنت عمرها لتربيته، كي يعوضها في قادم ايامها، عن الزوج والأب والأم والأخ والأخت، فجرى معها كما حصل مع الذي بذل كل جهوده لبناء السفينة التي سيبحر بها من جزيرة موحشة الى وطنه وأهله كي يرتاح ، وعندما اكتملت سفينته للابحار جف البحر .
لم تكن أم الوفا تبغي من حياتها في هذه المدينة ، سوى الستر وحياة مستقرة ، ولم تطمح لتحقيق اي حلم كباقي الناس، فان دوافعها في الحياة تقلصت بشكل كلي، ولم تسمح لنفسها بالتفكير في أي أمر عدا تدبير أمور معيشتها، اكلها شربها ومسكنها. فقد طوت صفحة الماضي، حاولت التعايش مع صديقتها أم بشير وأسرتها، تفرح لفرحهم وتحزن لحزنهم، تحاول تقديم احسن ما عندها لهذه الأسرة المنكوبة، لم تبخل على أبناء أم بشير بأي أمر، كثيرا ما كانت تساعد سمية في بعض أقساطها الجامعية، وتعتني بالأطفال في مرضهم ، واحيانا يذهبون اليها كي تساعدهم في تحضير واجباتهم الدراسية. فقد مضى على صداقتها معهم قرابة السبعة أعوام، منذ وطئت قدماها مدينتهم . فهم أول ناس في هذه البلد يفتحون لها أبواب قلوبهم قبل أبواب مدينتهم .
برغم محاولاتها عدم تذكر أهلها ناسها وابنها، الا أنها لم تستطع نسيانهم ، وكثيرا من الأحيان عندما كانت تحن، لم تجد ملجأ سوى الكتابة في مفكرتها، تكتب وجعها على الصفحات البيضاء ، تشتكي لهذه الصفحات ما يخزنه قلبها من أوجاع متراكمة، وما يعتمل في دواخلها من ألم وحرقة، ندم وعتب، كثيرأ من الأحيان قبل الفجر تنهض من فراشها تجلس على الطاولة لتكتب في مفكرتها ما تحس به وما يشغل بالها، بعد انتهائها من الكتابة ترتاح، وتنجلي الهموم عن صدرها . في مساء يوم من الأيام، عثرت سمية على المفكرة فوق الطاولة، فتحتها، قرأتها بتفرس وتمعن، سألت خالتها أم الوفا:
_ خالتي أم الوفا، أهذه كتاباتك أنت؟
_ نعم صحيح يا بنتي .
_ بسم الله وما شاء الله ، هذه نصوص قيمة جدا، فانت تكتبين بشكل جيد، هل انت شاعرة أو .........
_ الحقيقة يا بنتي انا لست بشاعرة، انما أنا أكتب نفسي في هذه المفكرة، أكتب أوجاعي التي أعاني منها وأشعر بها، فهي طريقي للراحة.
_ أنت مذهلة يا أم الوفا، فأنت تتمتعي بمزايا فريدة ، أكتبي يا خالتي اكتبي ما استطعت، هل قرأ شخص ما كتاباتك غيري ؟
_ أبدا، فانا أكتب لنفسي .
_ ما أجمل كتاباتك وكم هي مؤثرة يا أم الوفا !!! وخاصة هذه القصيدة :
الغدر !!! (١) (١) بقلم فوزي النجاجرة
سئمت الحياة وعيش الطيبة مع الناس.. والغدر
ففي عجزهم كنت لهم الأم الحنون...... والصدر
في ليلهم الحالك أنرت دربهم بنور....... كالبدر
لم ابخل عليهم بالمال أو السند وكنت لهم الظهر
لما اشتد عودهم رموني بسهامهم.....في الخصر
وجهوا سمومهم لقلبي المسكين فلدغتهم... والقبر
اه يا ابني أه يا أخي أأهون عليكم بعد هذا العمر! الفصل الخامس
بينما كان يسير عمل أم بشير بشكل منتظم ومستقر ، كذلك تجارة أم الوفا ، تفاجئت كل منهما بصدور قرار يقضي باغلاق السوق من قبل البلدية ، من أجل أعمال الترميم والاصلاحات اللازمة . فقد جاء القرار صادم وقاسي لكليهما ، ومن خلال استفساراتها ، علمت أم بشير أن أعمال الترميم لن تنتهي قبل سنتين، الأمر الذي أربكها وأحاط مزاجها بشاشة سوداء ، توترت غضبت أم بشير لقطيعة رزقها ، جلست تبكي أقدارها مع أم الوفا ، فكل أمر كان في الحسبان الا هذا ، فلولا هذا المحل لم تكن استطاعت أم بشير تدبر أمر أسرتها وتكاليف معيشتها، كذلك أم الوفا ، فكان المحل بمثابة ستر وغطاء عليهن . ساد جو مشحون أسرة أم بشير لأكثر من أسبوعين ، وفي أحدى الجلسات الأسرية قالت سمية لأمها ولأم الوفا :
_ يا جماعة الخير، أنا لا أعرف كيف الخروج من هذه المشكة ، حاولت كثيرا تقليب هذه المشكلة في دماغي، الحلول صعبة أو تكاد تكون معدومة ، أنما هناك فكرة تبلورت في رأسي ، لا أعرف مدى جدواها ، ونجاح الفكرة يعتمد على أم الوفا بالتحديد !!!
_ أسمعينا فكرتك يا خالتي يا سمية ، ما هي فكرتك ؟ لعل وعسى يهدينا الرحمن وييسر امرنا.
يتبع في الحلقة رقم (١٥) يوم الخميس القادم ان شاء الله .

تعليقات
إرسال تعليق