التخطي إلى المحتوى الرئيسي

بقلم الأديب أ/رعد الإمارة//////


البطة /ج3 والأخير

كاد النهار أن ينتصف حين عاد صديقي، كنت في طريقي إلى المطبخ، لأحتساء قدح آخر من الشاي،جرني من ذراعي ،قال ضاحكا كالعادة :
-اترك الشاي الآن، أحضرت معي بعض الطعام، لنا وللبنات العصفورات، تعال تفرج الآن على ما أحضرت من أغراض، كان ثمة ثلاث شبان بعمر الورود، اخذوا يكدسون الحاجيات في الحديقة،أكياس كبيرة وأخرى صغيرة، جهاز للمشي ودراجتان ودنابل بأحجام مختلفة، دواليب بألوان زاهية ومرايا مغلفة، نادى صديقي إحدى البنات اللاتي كن يحدقن من خلف النافذة، قال وهو يشير بيده للأكياس الكثيرة والتي أصبحت بحجم تل صغير :
- إنظري،أريدك أن تهتمي شخصيا بما موجود في هذه الأكياس، أعرف مدى حبك للترتيب -احمر وجه البنت وأخذت تحدق في الأرض المعشوشبة ببلاهة - إنها تخص صالون العرائس، كل مايلزم المرأة لتصبح فاتنة مثلك!. نطق بعبارته هذه ثم أخذ يفرك يديه وهو يضحك، ارتبكت البنت وهي تحاول حمل أكبر قدر ممكن من الأكياس، هرولت نحوها فأبتسمت بود في وجهي وهي تقول :
-أشكرك إستاذ. صفت البطة الكراسي في المطبخ حول المائدة، ثم راحت توزع بمساعدة البنات الطعام في الأطباق، بدا منظر الكباب والدجاج الفخم المشوي شهيا، مدت البنات اصابعهن على إستحياء بعد أن دعاهن صديقي للمباشرة، كانت البطة تجلس في مواجهتي وهي تكاد تلصق كتفها بكتف صديقي! قلت له:
-متى ستصل خبيرات التجميل. لم يرد مباشرة، كان منشغلا في اقتطاع جزء كبير من صدر الدجاجة، حمله بكلتا يديه ثم وضعه في طبق البطة، التي راحت تكركر مثل دجاجة صغيرة وهي تحدق في بعينيها الواسعتين! قال وهو يلعق أصابعه مما علق بها :
-ربما غدا أو بعد غد، لكن مدربة اللياقة البدنية ستحضر في الأسبوع القادم، تعرف إجراءات السفر، هي من لبنان، أظن ياصاحبي بأننا سنحتاج بنتين اخريتين ،من أجل الصالون، لكني لن اتدخل في مهمة توزيع العمل! عندما يكتمل العدد ويصل الجميع سينتهي دوري، الباقي عليك. سحبت مقعدي للخلف ونهضت،كان الشاي ساخنا ،سكبت بعضا منه لي ولصديقي، قلت له فيما كانت البطة، تحدق في اصابعي المنشغلة بتحريك الشاي :
-سنتحدث عن ذلك فيما بعد، قد نحتاج أكثر من هذا العدد. كانت البطة بثيابها المشدودة إلى جسدها المثير، هي من تقوم بأستقبال وتسجيل الزبائن، لقد انتظم العمل أخيرا وحققت الدعاية التي قمت برسمها أنا وصديقي هدفها المنشود! قمنا بجلب سبع بنات أخريات،حتى إننا أرسلنا بواحدة للمطبخ الذي أخذ يتسع هو الآخر،استحدثنا قسما للبوتوكس والفلر بخبيرتين لبنانيتين أيضا، كان العمل يجري على قدم وساق، وأصبحت ضحكات صديقي ومداعباته تصل إلى سمعي، حتى وأنا خارج المركز! مضت الأيام سريعة بعد ذلك، كانت أياما متعبة لكن لذيذة بما كانت تحمله من خير للجميع، أما صاحبي فقد أخذ يتنقل كالنحلة من زهرة إلى زهرة، أو بالأحرى من بطة إلى أخرى! ورغم مشاغلي الكثيرة إلا إني لاحظت الذبول الذي إعترى ملامح بطتنا المثيرة، أصبحت كثيرة الشرود، وقد نبهتها بلطف أولا ولمرات عدة، في نهاية الأمر اضطررت لنقلها إلى قاعة المساج ولم تنفع توسلاتها ولا نظرات عينيها المتسعتين بكحلهما الأسود المثير، بل لم تشفع لها حتى وساطة صديقي، الذي هز كتفيه في آخر الأمر ،وسط ضحكته الشهيرة المعروفة. كنت على وشك الخروج لجلب بعض شتلات الورد لحديقة المركز، التي أصبح منظرها يسر الناظرين حين سمعت بمن يقول إستاذ بصوت خافت،التفت برأسي للخلف،كانت البطة، بدت خطواتها مرتبكة وهي تتقدم نحوي،فركت يديها الأثنتين وحاولت أن تبتسم، قالت :
-آسفة إستاذ، يبدو أنني سأحتاج إلى قرض آخر! تعرف موعد الراتب لم يحن بعد. مددت يدي في جيبي، لمعت عينيها الخاليتين من الكحل ببريق خاطف، أخرجت علبة سجائري، ارتسم ظل من الخيبة في زاوية فمها المرتعش، تنهدت قبل أن أطلق عبارتي الغريبة تماما عن تفكيري وكأن شخصا آخر قالها :
-سأعطيك قرضا، لكن بشرط!. راحت تحدق في سبابتي المرفوعة في وجهها وقد رفعت حاجبيها، حاولت أن تبتسم وهي تقول :
-ماهو الشرط ياترى. قالت ذلك وهي تحرك رأسها يمنة ويسرة بطريقة بدت كوميدية، ترددت قليلا، لكني أطلقت عبارتي في وجهها ،وأنا اسحب نفسا عميقا من سيجارتي :
-أن تمنحيني قبلة، من فمك الحلو هذا. على الرغم من إن سنينا كثيرة مرت على هذا الموقف، إلا إني لم أرى مثل هذه الدهشة التي ارتسمت على ملامح البطة! لم ترمش بل جمدت عينيها للحظات،أما فمها الصغير فقد أصبح فجأة شبيها بباب مغارة،وجدتها تتراجع بقدميها للخلف، كادت أن تتعثر وهي تفعل ذلك، وخيل لي وهي تتلاشى من أمامي، بأنها قد ضحكت كثيرا في الداخل!. لم تحضر البطة في اليوم التالي! عرفت من صديقي بأنها قصدته هو بالذات من أجل إجازة، تقول إن والدتها مريضة، هذا ما أخبرني به وهو لايكاد يكتم ضحكته المكتومة التي انفجرت بوجهي في النهاية وسط دهشتي ، قال وهو يرفع قدح الشاي عاليا:
-أخبرتني عنك، قالت إنك حاولت اغرائها بالمال! لو تعرف الملعونة كيف كانت تتحدث عنك. كدت أن اقلب قدح الشاي وأنا أعترض على كلامه، قلت بنبرة عصبية :
-الغبية، لقد كنت أمزح معها فحسب! لم أكن أتخيل إنها ستكون بمثل هذا الغباء! أنت تعرفني منذ سنين طويلة، تبا للنساء. كف صديقي عن الضحك، أشعل سيجارة ثم سحب عدة أنفاس منها قبل أن يقول وهو يضع يده على ذراعي الممدودة :
-أنت لست بصاحب لي، بل أخ وسند، لايجب أن تقول مثل هذا الكلام، أتعرف! عندما أخبرتني كدت أن اطردها، لكني فكرت بأنك لن ترضى بالظلم ،وبأنك حتما ستزعل مني.
-طبعا كنت سأزعل، يا إلهي، مازالت طفلة، ربما لم تفهم ما معنى المزاح، أشعر فعلا بأني أنا الغبي وليس هي. حدق في قبل أن ينهض؛ راح يصب مزيدا من الشاي في الأقداح ،قال وهو يعاود الجلوس :
-عليك يا صديقي بأن تراجع نفسك، أقصد علاقتك بالجنس الآخر، أنت طيب زيادة عن اللازم، أتدري! أنا لم امنحها أي مبلغ من المال ،لقد سلمت نفسها لي بأرادتها! حسنا لننسى الأمر، انهض لنتابع أشغالنا،لكن تذكر بأن بعض النساء يفسرن ماتقوم به أو ماتفعله معهن بأنه نوع من الغباء، وليس الطيبة! سامحني لكن هذه هي الحقيقة. مرت سنين عدة على هذه الحادثة، لكني مازلت اتذكرها أحيانا، كما أتذكر كيف استقبلت نبأ موت صديقي،الذي دهسته سيارة مسرعة وهو يحاول عبور الشارع بإتجاه المركز اللعين! العجيب في الأمر أنه بعد هذه السنين العديدة كلها، كان بودي لو إن صديقي مازال حيا! إذن لكنت أخبرته بأني مازلت غبيا، وربما للأبد!!! (تمت )

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بقلم الرائعة د/آمنة ناجي الموشكي/////

تساؤلات .د.آمنة الموشكي مَنْ أَنْتَ يَا هَذَا، وَمَنْ زَرَعَ المَآسِيَ وَالمِحَنْ؟ فِي مَوْطِنِيَ الغالي الَّذِي مَا ضَلَّ يَوْمًا أو وَهَنْ وَمَنْ الَّذِي مَا زَالَ فِي طُغْيَانِهِ مِنْ سُوءِ ظَنّْ يُفْشِي الفَسَادَ بِحِقْدِهِ وَبِشِرِّهِ العَاتِي عَلَنًْ؟ وَمَنْ الَّذِي خَانَ الأَمَانَةَ وَالرِّيَادَةَ فِي اليَمَنْ؟ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ، إِنَّنِي    مَا زِلْتُ أَسْأَلُ: مَنْ وَمَنْ؟ عَمَّا جَرَى في أرضنا           ومَن الذي قَبِضَ الثّمَنْ؟ حَتَّى تَلَاشَى ضَوْؤُنَا              فِي كُلِّ أَرْجَاءِ الوَطَنْ مَا عَادَ فِينَا غَيْرُ مَنْ              كَبَّرَ وَحَوْقَلَ وَانْدَفَنْ مِنْ حُزْنِهِ الجَاثِي عَلَى           كُلِّ المَفَاصِلِ فِي البَدَنْ وَطَنِي، وَقَدْ حَلَّ الجَفَا               والغَبنُ فِيْنا مُحْتَقَنْ سَكَنَتْ بِهِ الفَوْضَى، وَقَدْ               سَادَ العَمِيلُ المُرْتَهَنْ أَكْبَادُ عَانَتْ دُونَمَا               رِفْقٍ، وَلَمْ تَلْقَ الكَفَنْ مَاتَتْ عَلَى أَبْوَابِ مَنْ                صَارُ...

بقلم الرائع أ/خالد البطراوي/////

أخبِّئُ نفسي ****** أخبِّئُ نفسي بينَ كفوفي، بينَ حروفي، بينَ أوراقي المطويّة... على رفوفِ ذاكرتي قصيدةُ شِعرٍ كُتِبَت، وشقاوةُ طفلٍ رُسِمَت، وضحكاتُ صغارٍ، وتواشيحُ رمضانيّة... أُفتِّشُ بين أوراقي، أَنفضُها من الغبار، أُعيدُ كتابتَها... هى بداياتي، وتخبُّطاتي واوراقي السِّريّة... فيها تأملات ودعوات و تَرويدةُ شيخ، وقصّةُ حُبّ، وحكاياتُ الأجداد في ليلةٍ شتويّة... أبحثُ عن نفسي، عن خربشاتِ أقلامي، عن أسراري المخفيّة... عن ذكرى كانت، عن صوتِ أمي، عن ليمونةٍ في حوشِ دار، عن طفولتي المنسيّة... أبحثُ عن بائعِ الحلوى في الحارات، عن ألعابٍ، وحكاياتٍ، وأمنياتٍ، عن أحلامٍ مُخمليّة... أخبِّئُ نفسي بين كفوفي، بين حروفي، بين أوراقي المطويّة... أخبِّئُ بين سطوري حكاياتٍ وحكايات، ألمًا، وحُزنًا، وبُؤسًا... وأشياءَ مخفيّة ....... خالد محمود البطراوي

بقلم الشاعر أ/سمير الزيات/////

وديان الجحود ــــــــــــــــــــ يَا أَيُّهَا الْحُبُّ الْمُغَرِّدُ بَيْنَ أَحْضَـانِ الْوُرُودْ يَا أَيُّهَا الْعِطْرُ الْمُغَشّى فَوْقَ أَوْجَاعِ الصُّـدُودْ آَهٍ مِنَ الأَحْـلامٍ وَالأَ وْهَـامِ فِي قَلْبٍ يَمِيدْ آَهٍ ، وَمَا أَحْـلاكِ فِي قَلْبِي ، وَمَا أَحْلَى النَّشِيدْ              *** يَا  مُنْيَتِي !  ، أَنْتِ  الَّتِي          عَلَّمْتِني  مَعْنَى  الْوُجُودْ عَلَّمْتِنِي   سِـرَّ   الْحَيَـاةِ            وَكَيْفَ   أَسْمُو   لِلْخُلُودْ فَعَرَفْتُ دُنْيَـا غَيْرَ دُنيـا           النَّاسِ فِي قلْبٍ  سَعِيدْ أَنْتِ     الَّتِي      عَلَّمْتِنِي           أَحْيَا الْحَيَاةَ  بِلا حُدُودْ أَحْيَا.  طَلِيقًا   كَالنَّسائِمِ            كَالطُّيُورِ     بِلا   قُيُودْ مُتَنَقِّلًا  بَيْنَ   الْجَدَاوِلِ            وَالْخَمَـائِلِ     وَالْوُرُودْ مُتَغَنِّيًا بِالْحُبِّ وَالإِشْرَاقِ           فِي    صُبْـحٍ     جَـدِيدْ وَمُغَرِّدًا لِلْحُبِّ وَالأَحْلاَمِ            فِي    لَحْـنٍ      فَـرِيدْ آَهٍ  ،  وَمَا  أَحْـلاك...