التخطي إلى المحتوى الرئيسي

بقلم الرائع أ/عبد الرحيم الشويلي/////


قصة قصيرة
جُوَيْسِم.. الاسمُ الَّذي لَمْ يَعْبُرِ الحُدودَ...!!.

في صباحٍ باردٍ، وفي مدرسةٍ ابتدائيةٍ بإحدى الولاياتِ الأمريكية، جلسَ الطفلُ العراقيُّ القادمُ من جنوبِ العراقِ في مقعده الأوّل، وبين يديه حقيبةٌ جديدة، وعلى صدره بطاقةٌ صغيرةٌ كُتب عليها اسمه.
وقفتِ المعلّمةُ الأمريكيةُ أمامَ الصف، وأخذت تنادي التلاميذَ واحدًا بعدَ آخر.
وحين وصلت إلى اسمه، توقّفت.
— جُوَيْسِم؟
رفعَ الطفلُ يده.
نظرتِ المعلّمةُ إلى البطاقة، ثم إلى وجهه، وأعادت نطقَ الاسمِ مترددةً:
— جُوَيْسِم…؟
ثم ابتسمت وقالت:
— اسمٌ صعبٌ جدًّا… سنسمّيكَ جوزيف.
لم يعترض.
بل تهلّلَ وجهُه.
كان «جوزيف» خفيفًا على اللسان، مألوفًا في المدرسة، وكأنّه اسمٌ صُمّمَ ليعيشَ هنا.
بعدَ أيامٍ قليلة، صارَ الجميعُ ينادونهُ جوزيف.
في ساحةِ المدرسة، وفي الصف، وفي طابورِ الصباح، كان الاسمُ الجديدُ يسبقه إلى الجميع.
وحتى هو، بدأَ ينسى أنَّ له اسمًا آخر.
لكنَّ البيتَ كان له قاموسٌ مختلف.
في ذلك المساءِ، وما إن دخلَ حتى ناداهُ أبوه:
— جُوَيْسِم!
ظلَّ الطفلُ صامتًا.
عادَ الأبُ ينادي:
— جُوَيْسِم!
لا جواب.
اقتربَ منه، وحدّقَ في وجهه:
— ألم تسمعني؟
قالَ الطفلُ بهدوء:
— اسمي جوزيف.
سادَ صمتٌ ثقيل.
ثم انفجرَ البيتُ.
صاحَ الأبُ، والتحقَ به الإخوةُ والأم، وانهالتْ عليه العصيُّ واللكماتُ والدفراتُ، كأنّهم جميعًا يقاتلون لاستعادةِ اسمٍ ضاعَ في الطريق.
وفي صباحِ اليومِ التالي، دخلَ الطفلُ الصفَّ بوجهٍ متورّم، وشفة مشقوقة، وعينٍ زرقاء.
اقتربتْ منه المعلّمةُ مذعورة:
— ماذا حدثَ لكَ يا جوزيف؟
رفعَ رأسهُ ببطء، ومسحَ دمعةً عندَ طرفِ عينه، ثم ابتسمَ ابتسامةً موجوعة:
— قَتَلوني العربُ… لأنَّ اسمي لَمْ يَعْبُرِ الحُدودَ...!!.

بقلمي
عبد الرحيم الشويلي
القاهرة
2.أكتوبر. تشرين أول.2026م.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بقلم الرائع أ/محمود عمر/////

«تأشيرة إقامة» دنياك وطناً أحلم بالعيش فيه وأنت حلم أتمنى ألا أصحو منه وبين الوطن والحلم مغترب أنا فهل أعطيتني جنسيتك وتأشيرة الإقامة فيك...؟! أم جعلتِني منفياً بعيداً عنك..؟! محمود عمر

بقلم الرائعة د/آمنة ناجي الموشكي/////

تساؤلات .د.آمنة الموشكي مَنْ أَنْتَ يَا هَذَا، وَمَنْ زَرَعَ المَآسِيَ وَالمِحَنْ؟ فِي مَوْطِنِيَ الغالي الَّذِي مَا ضَلَّ يَوْمًا أو وَهَنْ وَمَنْ الَّذِي مَا زَالَ فِي طُغْيَانِهِ مِنْ سُوءِ ظَنّْ يُفْشِي الفَسَادَ بِحِقْدِهِ وَبِشِرِّهِ العَاتِي عَلَنًْ؟ وَمَنْ الَّذِي خَانَ الأَمَانَةَ وَالرِّيَادَةَ فِي اليَمَنْ؟ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ، إِنَّنِي    مَا زِلْتُ أَسْأَلُ: مَنْ وَمَنْ؟ عَمَّا جَرَى في أرضنا           ومَن الذي قَبِضَ الثّمَنْ؟ حَتَّى تَلَاشَى ضَوْؤُنَا              فِي كُلِّ أَرْجَاءِ الوَطَنْ مَا عَادَ فِينَا غَيْرُ مَنْ              كَبَّرَ وَحَوْقَلَ وَانْدَفَنْ مِنْ حُزْنِهِ الجَاثِي عَلَى           كُلِّ المَفَاصِلِ فِي البَدَنْ وَطَنِي، وَقَدْ حَلَّ الجَفَا               والغَبنُ فِيْنا مُحْتَقَنْ سَكَنَتْ بِهِ الفَوْضَى، وَقَدْ               سَادَ العَمِيلُ المُرْتَهَنْ أَكْبَادُ عَانَتْ دُونَمَا               رِفْقٍ، وَلَمْ تَلْقَ الكَفَنْ مَاتَتْ عَلَى أَبْوَابِ مَنْ                صَارُ...

بقلم الرائع أ/خالد البطراوي/////

أخبِّئُ نفسي ****** أخبِّئُ نفسي بينَ كفوفي، بينَ حروفي، بينَ أوراقي المطويّة... على رفوفِ ذاكرتي قصيدةُ شِعرٍ كُتِبَت، وشقاوةُ طفلٍ رُسِمَت، وضحكاتُ صغارٍ، وتواشيحُ رمضانيّة... أُفتِّشُ بين أوراقي، أَنفضُها من الغبار، أُعيدُ كتابتَها... هى بداياتي، وتخبُّطاتي واوراقي السِّريّة... فيها تأملات ودعوات و تَرويدةُ شيخ، وقصّةُ حُبّ، وحكاياتُ الأجداد في ليلةٍ شتويّة... أبحثُ عن نفسي، عن خربشاتِ أقلامي، عن أسراري المخفيّة... عن ذكرى كانت، عن صوتِ أمي، عن ليمونةٍ في حوشِ دار، عن طفولتي المنسيّة... أبحثُ عن بائعِ الحلوى في الحارات، عن ألعابٍ، وحكاياتٍ، وأمنياتٍ، عن أحلامٍ مُخمليّة... أخبِّئُ نفسي بين كفوفي، بين حروفي، بين أوراقي المطويّة... أخبِّئُ بين سطوري حكاياتٍ وحكايات، ألمًا، وحُزنًا، وبُؤسًا... وأشياءَ مخفيّة ....... خالد محمود البطراوي